صرخة استغاثة من أعماق إينشيري: رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس الغزواني لإنقاذ "دمان" و"لمدنه"

ثلاثاء, 20/10/2026 - 18:32

في ظل التمدد العشوائي لأنشطة التنقيب التقليدي عن الذهب وما يخلّفه من أضرار بيئية جسيمة، يوجه المواطن أحمد سالم محمد ديده نداءً عاجلاً إلى رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني. وتدق هذه الرسالة المفتوحة ناقوس الخطر حول شبح الدمار البيئي الذي يهدد منطقتي "دمان" و"لمدنه"؛ الرئتين الزراعتين والرعويتين اللتين تشكلان جزءاً لا يتجزأ من تاريخ وهوية ولاية إينشيري.

إلى فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية

السيد محمد ولد الشيخ الغزواني

الموضوع: نداء استغاثة لإنقاذ منطقتي "دمان" و"لمدنه" بولاية إينشيري

فخامة الرئيس،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

خلال زيارتكم الأخيرة لولاية إينشيري، تطلعنا بشوق للقائكم لعرض شواغلنا وما نعتبره أولويات ملحة لتنمية ولايتنا، غير أن ظروف تنظيم الزيارة حالت دون تحقيق ذلك اللقاء المنشود بين رأس الدولة وقاعدته الشعبية.

واليوم، أتشرف بمخاطبتكم بهذه الرسالة، مدفوعاً بقلق بالغ إزاء وضع بات يهدد حاضرنا ومستقبل أجيالنا القادمة.

فخامة الرئيس،

إن إينشيري، أرض الذهب والنحاس، وموطن التقاليد الرعوية الأصيلة والثراء الثقافي، تواجه اليوم تدهوراً بيئياً خطيراً؛ فقد أحدث التنقيب التقليدي العشوائي عن الذهب تحولات عميقة في أراضيها، شوهت مناظرها الطبيعية، وأتلفت تربتها، وأخلت بتوازنها البيئي. وتتجلى آثار هذا الوضع بحدة في منطقتين لهما مكانة مركزية في ذاكرة وهوية سكان الولاية الأصليين: "دمان" و"لمدنه".

فخامة الرئيس، إن هاتين المنطقتين ليستا مجرد حيز جغرافي، بل هما ركيزة من تاريخنا وهويتنا؛ تعاقبت عليهما أجيال من أبناء إينشيري، فكانتا على الدوام رئتين زراعيتين ورعويتين، ومصدراً لغذاء الأسر ومرعى للمواشي، وحاضنة لممارساتنا التقليدية المتجذرة. واليوم، أصبحتا مهددتين بشكل مباشر بزحف أنشطة التنقيب، وإن شبح أن تلقى "دمان" و"لمدنه" المصير المأساوي الذي آلت إليه منطقة "اتيجريت" وغيرها من المناطق المنكوبة بيئياً في الولاية، يبعث على خوف مشروع وقلق عميق لدى السكان.

فهل يعقل أن نفرط تدريجياً في أراضٍ أطعمت أجيالاً دون اتخاذ التدابير اللازمة لحمايتها؟ وهل يمكن تصور تنمية حقيقية تقوم على تدمير مقومات عيش السكان ومحو إرثهم الذي لا يعوض؟

فخامة الرئيس،

لا يمكن فصل القضية البيئية عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي لسكان إينشيري؛ فكيف يستقيم أن يرزح أبناء ولاية تزخر باطنها بثروات معدنية هائلة، وظاهرها بموارد رعوية وزراعية واعدة، تحت وطأة ظروف معيشية لا ترقى لإمكانات منطقتهم؟ إن هذا التناقض الصارخ يستدعي وقفة تأمل؛ فالثروة لا تكون رافعة للتنمية إلا إذا انعكس استغلالها إيجاباً على حياة المواطنين، وحمى بيئتهم، وضمن مستقبلاً مستداماً لأبنائهم. أما حين يتحول استغلال الثروة إلى عامل لتدمير الأراضي واندثار المراعي وتدهور الحياة، فإننا نكون أمام إخلال جوهري بمبدأ التنمية المستدامة والمسؤولية الجماعية.

إن إينشيري ليست مجرد خزان للمعادن، بل هي أرض مأهولة، وذاكرة حية، وفضاء للحياة، وإرث يجب صونه ونقله للأجيال. لذا، فإن الوضع الراهن يتطلب رؤية شاملة تتجاوز منطق الاستغلال المنجمي الظرفي، لتجمع بين حماية البيئة، وصون سبل عيش السكان، وتثمين التراث المحلي، وتحسين الظروف المعيشية.

وعليه، فإننا نلتمس من فخامتكم التدخل العاجل لاتخاذ الإجراءات التالية:

الحماية الفورية: إعلان منطقتي "دمان" و"لمدنه" منطقتين محميتين، وحظرهما نهائياً على كافة أنشطة التنقيب التي من شأنها المساس بوظيفتهما الزراعية والرعوية والبيئية والتراثية.

التقييم البيئي: إجراء تقييم بيئي جاد وشامل للمنطقتين، يراعي المخاطر المرتبطة بالتنقيب، ويستفيد من الدروس القاسية لكارثة "اتيجريت" البيئية، للحيلولة دون اتساع رقعة التدهور التي يصعب تداركها.

إشراك السكان: إشراك السكان الأصليين في كافة القرارات المتعلقة بأراضيهم ومجالهم الحيوي، والاستماع لشواغلهم وتمكينهم من المشاركة في صياغة حلول مستدامة.

تكريس تنمية مسؤولة: العمل على نموذج تنموي منجمي مسؤول يوازن بين استغلال الموارد الطبيعية وحماية النظم البيئية وصون الحقوق المشروعة للسكان المحليين.

فخامة الرئيس،

إن عنايتكم بهذه القضية ستحفظ إرثاً ثميناً، وستبعث برسالة قوية تؤكد التزامكم بتنمية عادلة ومستدامة تحترم الإنسان والمجال. إن تدخلكم اليوم كفيل بمنع تحول "دمان" و"لمدنه" إلى رمز آخر للتدهور البيئي الذي لا رجعة فيه، وضياع جزء غالي من تراثنا الطبيعي.

إن إنقاذ "دمان" و"لمدنه" ليس ضد التنمية، بل هو دفاع عن تنمية منصفة لا يُطلب من أبناء اليوم ولا أجيال الغد دفع ثمنها من قوتهم وذاكرتهم وكرامتهم. إنه دفاع عن لقمة عيش الأسر، وعن تاريخ إينشيري وثقافتها، وتأكيد على أن ثروات أي منطقة يجب أن تكون مصدر كرامة وأمل وازدهار لأهلها.

إن الأرض إذا دُمرت ضاع الإرث، والتراث إذا فُرط فيه لا يعود، والأجيال القادمة يجب ألا تدفع ثمن صمتنا اليوم.

وتفضلوا، فخامة الرئيس، بقبول فائق التقدير والاحترام.

أحمد سالم محمد ديده

أحد أبناء إينشيري الأصليين

جديد الأخبار