كيديماغا بين الفرص الضائعة وآمال الشباب...بقلم سيد ولد الغلام

أحد, 26/07/2026 - 13:24

تحظى ولاية كيديماغا، بفضل إمكانياتها وموقعها الجغرافي وتنوعها العرقي الذي يعكس تكاملاً مثالياً لجميع المكونات الوطنية، باهتمام كبير من الدولة، كما أشار إلى ذلك فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي أكد خلال مؤتمره الصحفي المنعقد مساء الجمعة الماضي في القصر الرئاسي، أن الولاية قد تلقت ما يقرب من 12 مليار أوقية قديمة، بهدف المساعدة في تلبية احتياجات السكان وتنمية الإمكانات المحلية.

في الوقت الذي تتجه فيه موريتانيا نحو تعزيز اللامركزية وتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف ولاياتها، تبرز ولاية كيديماغا بوصفها واحدة من أكثر الولايات امتلاكًا للمقومات الاقتصادية والبشرية، وفي المقابل واحدة من أكثرها حاجة إلى سياسات تنموية أكثر إنصافًا وشمولًا.

فكيديماغا ليست مجرد ولاية زراعية تعتمد على النشاط الريفي، بل تمثل فضاءً استراتيجيًا يربط موريتانيا بكل من مالي والسنغال، كما أنها تُعد نموذجًا فريدًا للتنوع الوطني والتعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع الموريتاني من البيظان والحراطين والفلان والسوننكي وغيرهم. وإلى جانب ذلك، تحمل الولاية اليوم آمالًا اقتصادية كبيرة مع انطلاق استغلال حقل الذهب المكتشف فيها، وهو مشروع من شأنه أن يغيّر ملامح الاقتصاد المحلي إذا ما أحسن استثماره وربط بعائدات تنموية حقيقية.

ورغم هذه المؤهلات، ما تزال الولاية تواجه تحديات لا يمكن تجاهلها، وفي مقدمتها أزمة المياه الصالحة للشرب، وضعف بعض الخدمات الأساسية، إلى جانب شعور متزايد لدى شريحة واسعة من الشباب بأنهم لا يحظون بالتمثيل الذي يتناسب مع كفاءاتهم وإسهاماتهم في الحياة الوطنية.

لقد أثبت شباب كيديماغا، خلال السنوات الأخيرة، أنهم ليسوا مجرد متابعين للشأن العام، بل فاعلون أساسيون فيه. فقد ساهموا في تنشيط الحياة السياسية، وتنظيم الحملات الانتخابية، وتأطير الناخبين، وإطلاق المبادرات المدنية والتطوعية، الأمر الذي أسهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي داخل الولاية، وجعلها تنتقل من كونها إحدى أبرز معاقل المعارضة إلى فضاء سياسي أكثر انفتاحًا على الأغلبية الحاكمة.

ومن أبرز هذه المبادرات منسقية شباب ولاية كيديماغا، التي يقودها الدكتور لمرابط ولد عيسى باب، العضو السابق بالمجلس الأعلى للشباب، و كذالك مؤسسته المستقلة  أم بي آيوالتي عملت على تكوين أكثر من ألفي شاب وشابة بصورة مجانية في مجالات اللغات ، المشاريع الصغيرة و المتوسطة و القيادة، إضافة إلى تنظيم مبادرات شبابية هدفت إلى تعزيز المشاركة المدنية والسياسية، وترسيخ ثقافة العمل التطوعي وخدمة المجتمع.

ولا يمكن إنكار أن هذه الجهود ساهمت في تحسين صورة العمل السياسي لدى فئات واسعة من الشباب، وفي استقطاب شرائح كانت تنتمي إلى تيارات سياسية مختلفة، الأمر الذي عزز المشاركة السياسية ورسخ ثقافة الحوار والانخراط في العمل الديمقراطي.

غير أن المحافظة على هذه الديناميكية تتطلب ترجمتها إلى سياسات عملية، يكون في مقدمتها تمكين الشباب من الوصول إلى مواقع المسؤولية على أساس الكفاءة والاستحقاق، بعيدًا عن الاعتبارات الضيقة. فالشباب الذين كانوا حاضرين في الميدان، وتحملوا مسؤولية التعبئة والتأطير، يتطلعون اليوم إلى أن يكونوا شركاء في صناعة القرار، لا مجرد أدوات خلال المواسم الانتخابية.

إن الاستثمار في الموارد الطبيعية، مهما بلغت أهميته، لن يحقق أهدافه دون الاستثمار في الإنسان. فالتنمية المستدامة تبدأ من تمكين الكفاءات الوطنية، وإشراكها في إدارة الشأن العام، والاستفادة من خبراتها في رسم السياسات العمومية.

واليوم، يقف شباب كيديماغا أمام مفترق طرق؛ فإما أن تتحول الوعود التنموية إلى واقع ينعكس على حياتهم اليومية من خلال توفير المياه، وتحسين الخدمات، وإشراكهم في مؤسسات الدولة، وإما أن يستمر الشعور بالإقصاء، وهو ما لا يخدم جهود التنمية ولا يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

إن العدالة في التنمية لا تقتصر على تشييد المشاريع الكبرى، بل تشمل أيضًا العدالة في توزيع الفرص، والإنصاف في التعيينات، والاعتراف بالكفاءات أينما كانت. وكيديماغا، بما تمتلكه من طاقات بشرية وثروات طبيعية، تستحق أن تكون نموذجًا لهذا التوجه المنصف الذي يقوده فخامةرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني الذي أكد أن هذه المأمورية مأمورية الشباب و الإنصاف.

 

جديد الأخبار