معادلة جيوبوليتيك الطاقة في شمال أفريقيا

سبت, 25/02/2023 - 16:42

اكتسب التنافس الإقليمي طويل الأمد بين المغرب والجزائر معنى جديدًا، حيث صار البلدان يتنافسان على الشراكات في مجال الطاقة في أوروبا. وأدت المنافسة الشرسة بين البلدين من أجل شراكات الغاز الطبيعي في أوروبا إلى بروز العديد من المقترحات الاقتصادية في جميع أنحاء إفريقيا جنوب الصحراء.

وفي محاولة لمواجهة خط الأنابيب النيجيري-المغربي الجاري العمل عليه، اقترحت الجزائر تطوير “خط أنابيب الغاز العابر للصحراء”، لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر جمهورية النيجر والأراضي الجزائرية.

* *

في حين تسعى العديد من الدول الأوربية إلى تقليل اعتمادها على إمدادات الغاز الروسي نتيجة الحرب الروسية-الأوكرانية، تتجه الأنظار الآن نحو القارة الأفريقية. وينطبق ذلك أيضًا على منطقة شمال إفريقيا، حيث تتنافس الجارتان الجزائر والمغرب للظفر بصفقة أنابيب الغاز المتجهة نحو أوروبا.

وعلى الرغم من التوترات التي شهدتها ديناميات الطاقة في المنطقة منذ سنوات، فقد دخل التنافس بين المغرب والجزائر، مؤخرًا، فصلًا جديدًا بعد إعلان نيجيريا وصول مشروع خط الأنابيب الذي سيربطها بالمغرب ثم أوروبا مرحلة البحث عن التمويل. ومع ارتفاع الطلب على الطاقة أكثر من أي وقت مضى، يتم رسم خطوط الطاقة عبر منطقة شمال إفريقيا حيث تتصاعد حدة المنافسة على قضية الطاقة الرئيسية.

 

إسبانيا تسعى للدخول في شراكة طاقة مع المغرب

لأكثر من عام حتى الآن، وجدت إسبانيا نفسها وسط نزاع مرير بين المغرب والجزائر بشأن الطاقة، خاصة منذ أن اتخذت الجزائر قرارًا في العام 2021 بإغلاق خط أنابيب الغاز التي تربط بين إسبانيا عبر المغرب، وهو ما أدى بالتالي إلى وقف الغالبية العظمى من إمدادات الغاز عبر المغرب.

ومن ناحية أخرى، أبقت الجزائر على خط أنابيب “ميدغاز”، الأقل كفاءة الذي يمتد أسفل سطح البحر لتزويد إسبانيا بالطاقة من دون تدخل المغرب. ومع ذلك، فإن تحرك إسبانيا الأخير لإعادة فتح خط الأنابيب المغربي الأوروبي وتعزيز إمدادات الغاز المغربي أدى إلى تفاقم وضع الجزائر إلى حد كبير، وذلك على الرغم من تعهد مدريد بأن العقد الجديد لن يشمل إرسال الغاز الجزائري للمغرب.

تجدر الإشارة إلى أن سياسة إعادة المواءمة التي اتخذتها إسبانيا تجاه المغرب بشأن قضية الطاقة، التي تأتي في وقت أعادت فيه مدريد أيضًا تأكيد دعمها للرباط في قضية الصحراء الغربية، قد أدت مؤخراً إلى توتر العلاقات بين الجزائر وإسبانيا. وبشكل عام، أصبح لدى إسبانيا قناعة بأنه لا يمكن الاعتماد على الجزائر في صادرات الغاز المستقبلية، مما دفع مدريد إلى الاعتماد بشكل أكبر على المغرب كمورد رئيسي للطاقة.

علاوة على ذلك، يجعل خط الأنابيب المغربي-النيجيري المرتقب الشراكة مع المغرب أكثر قيمة بالنسبة لإسبانيا، حيث إن احتياطيات الغاز الهائلة التي تستحوذ عليها نيجيريا قد تمكنها من أن تصبح شريان الطاقة الرئيسي لأوروبا، وذلك في ظل غياب صادرات الغاز الروسية.

وبعد حصول إسبانيا على احتياجاتها من الطاقة من نيجيريا -أحد موردي الطاقة الرئيسيين و”الأكثر موثوقية”- عبر خط الأنابيب المغربي-الإسباني الموجود مسبقًا، يبدو أن إسبانيا تسعى إلى تجنب المزيد من المشكلات مع المصادر الجزائرية. ومن جانبه، سيتمكن المغرب من خلال خط الأنابيب هذا من تأمين ميزة استراتيجية كبيرة تفوق صادرات الغاز الروسية والجزائرية.

يبقى مسار خط الأنابيب بين المغرب ونيجيريا قابلا للتنفيذ لأنه يعتمد على خط أنابيب غاز غرب إفريقيا القائم فعلياً والذي ينقل الغاز النيجيري إلى بنين وتوغو وغانا عبر الرابط البحري. وبموجب الاقتراح الجديد، سيتم تمديد خط الأنابيب البحري هذا على طول ساحل غرب إفريقيا عبر بلدان مثل ساحل العاج وليبيريا وسيراليون وغينيا كوناكري وغينيا بيساو والسنغال وموريتانيا والمغرب. وبعد ذلك يكون مسار نقل الغاز من المغرب إلى أوروبا عبر إسبانيا سهلًا بسبب القرب الجغرافي.

ويبدو أن المغرب، سيكون من أوائل المستفيدين من هذه الشركة الاقتصادية، حيث سيصبح قادرًا على تغطية احتياجاته من الطاقة، فضلاً عن تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة، وتسريع وتيرة استكمال مشاريع تمديد الكهرباء. كما ستُمكّن تلك الشراكة المغرب من إعادة تحديد علاقاته مع نيجيريا، لا سيما في قضية الصحراء، التي ستتيح للرباط حضوراً أوسع في منطقة غرب إفريقيا، وهو ما ينسجم مع توجهات المغرب الجديدة في التركيز على البعد الأفريقي في علاقاته الخارجية.

سعي إيطاليا للدخول في شراكة طاقة مع الجزائر

بطبيعة الحال، ما تزال الجزائر أبعد ما يكون عن التهميش خلال المنافسة على عقود الطاقة الأوروبية، حيث صارت نقطة محورية بالنسبة لإيطاليا التي تسعى إلى توسيع إستراتيجيات الطاقة الخاصة بها. وفي هذا السياق، أعلنت شركة الطاقة الإيطالية “إيني” في أيلول (سبتمبر) من العام الماضي عن استحواذها على أنشطة شركة بريتش بتروليوم (بي بي) في الجزائر، كما استحوذت على امتيازات في بعض حقول الغاز في الجزائر، وهي “إن أميناس” و”إن صالح”.

وتلعب شركة “إيني” الإيطالية الدور الأكبر ضمن خطة تأمين أمن الطاقة في القارة الأوروبية، حيث تهدف إلى إنهاء الاعتماد على الغاز الروسي وإيجاد إمدادات بديلة للغاز الروسي البالغ 29 مليار متر مكعب بحلول نهاية العام 2023.

وحتى يتسنى لها تأمين تلك الشراكة، دخلت “إيني” مع الشركة الجزائرية الحكومية “سوناطراك” في شراكة طويلة الأجل تهدف إلى زيادة قدرات الجزائر في مجال تصدير الطاقة إلى أوروبا، ودراسة قدرة الجزائر على التوسع في مجال الطاقة المتجددة. ويتماشى هذا المشروع مع خطة الإنتاج التوسعية التي تتبناها الشركة في جميع أنحاء إفريقيا، والتي تشمل شراء إمدادات الغاز، وخطوط الأنابيب المشتركة، ومحطات معالجة الهيدروكربونات، ومصافي النفط.

تمكنت الجزائر من خلال اتفاق ثنائي أبرم بينها وبين إيطاليا من تصدير 10 مليارات متر مكعب إضافية من الغاز إلى أوروبا، والتي ستمر عبر خط أنابيب “ترانسميد”. وتشكل هذه الاتفاقيات أحد جوانب الجهود الإيطالية المستمرة لتعظيم شراكاتها الجيو- اقتصادية مع البلدان الأفريقية، من الجزائر إلى نيجيريا، والكونغو، وأنغولا، وموزمبيق.

تجدر الإشارة إلى أن اختيار كل من إسبانيا وإيطاليا في معادلة الصراع المغربي-الجزائري يمكن رده إلى أسباب عدة، منها رغبة كل من إيطاليا والجزائر في تعزيز الشراكة بينهما في مجال الطاقة والتسارع في عقد الصفقات للاستحواذ على حق التنقيب ونقل الغاز الطبيعي لأوروبا، وهو ما سيفتح المجال أمامهما لتطوير مصادر الطاقة المتجددة، بما في ذلك الهيدروجين. وفضلاً عن ذلك، ستسهم تلك الشراكة في زيادة التعاون بين البلدين في ملفات أخرى مثل الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط، والملف الليبي، وملف الصحراء الغربية. ومن جهة أخرى، يعد المغرب بمثابة “شريك مرجعي” لإسبانيا بسبب تعاونها العميق في شؤون الهجرة ووضعها الاستراتيجي الذي يسمح لها بأن تكون حليفًا رئيسيًا في الأمن ومكافحة الإرهاب والاستثمار في مجال الطاقة.

التنافس المغربي-الجزائري في السياق

أدت المنافسة الشرسة بين المغرب والجزائر من أجل شراكات الغاز الطبيعي في أوروبا إلى بروز العديد من المقترحات الاقتصادية في جميع أنحاء إفريقيا جنوب الصحراء. وفي محاولة لمواجهة خط الأنابيب النيجيري-المغربي، اقترحت الجزائر تطوير “خط أنابيب الغاز العابر للصحراء”، لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر جمهورية النيجر والأراضي الجزائرية.

كما سعت الجزائر أيضاً إلى بناء خطوط أنابيب غاز مع موريتانيا لنقل الغاز المستخرج من حقل “سلحفاة أحميم” البحري الذي يقع على الحدود بين مياه السنغال وموريتانيا. وأدت المنافسة على خطوط الغاز أيضًا إلى نشوب معركة دبلوماسية أكبر بكثير بين المغرب والجزائر تهدف إلى بسط نفوذهما المنطقة.

وفي ما يتعلق بقضية الصحراء وغيرها، سعى كل من المغرب والجزائر بشكل متزايد إلى تعزيز موطئ قدم لهما في القارة الإفريقية من خلال اتباع سياسة خارجية متجددة. وتعد عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي في العام 2017 خطوة جيدة أظهرت مدى رغبة المغرب في تحسين علاقاتها الإقليمية ودعم الجهود الاقتصادية والسياسية القارية.

وبطبيعة الحال، أدت الجهود الدبلوماسية المغربية إلى بروز ردود دبلوماسية معاكسة من قبل الجزائر، حيث وفرت عملية التطبيع الأخيرة والتحالف بين المغرب وإسرائيل فرصة للجزائر لتأكيد مكانتها كزعيم عربي ولاعب إقليمي أساسي.

لغياب التعاون بين الجزائر والمغرب ما يبرره، فمنذ أن حصلت الرباط من إدارة الرئيس الأميركي السابق ترامب، على الاعتراف بسيادتها على الصحراء الغربية مقابل تطبيع علاقاتها مع إسرائيل فيما ما يعرف باتفاقيات إبراهيم، وصل التعاون بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق، خاصة بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الدفاع الإسرائيلي للرباط، والتي نتج عنها توقيع اتفاق عسكري بين الطرفين.

ومن جهة أخرى، جعل هذا التقارب بين المغرب وإسرائيل الجزائر تشعر بأنها مستهدفة بشكل مباشر نتيجة دعمها لجبهة البوليساريو والقضية الفلسطينية، وهو ما أدى إلى اتهامها للمغرب بمحاولة نقل الصراع من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا من خلال تقاربها مع إسرائيل.

في الأساس، تشكل الجهود الحالية التي تبذلها المغرب والجزائر للتفوق على بعضهما بعضا في مجال صادرات الطاقة، مظهرًا آخر من مظاهر معركة شد الحبال بين البلدين. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن أوروبا ستكون هي أبرز المستفيدين من المنافسة على إمدادات الطاقة في شمال إفريقيا، حيث ستوفر هذه التطورات للمنطقة طرقا جديدة عدة لمعالجة مشكلة ندرة الطاقة، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى إنهاء اعتمادها على الغاز الروسي.

*نشأت شوامرة: باحث دكتوراه في العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط، في معهد دراسات الشرق الأوسط، جامعة سكاريا، (تركيا).

جريدة الغد

جديد الأخبار